السيد علي عاشور
131
موسوعة أهل البيت ( ع )
وقال صلى اللّه عليه وآله وسلّم للأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين يترك صبية صغارا يتكفّفون الناس . ثمّ قال : حدّثني أبي أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال : إبدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى ثمّ هنا ما نطق به الكتاب ردّا لقولكم ونهيا عنه مفروضا من العزيز الحكيم قال : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً أفلا ترون أنّ الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الإثرة على أنفسهم وسمّى من فعل ما تدعون إليه مسرفا ، وفي غير آية من كتاب الله يقول إنّ الله لا يحبّ المسرفين ، فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن التقتير ولكن أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده ثمّ يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له . للحديث الذي جاء عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّ أصنافا من امّتي لا يستجاب دعاؤهم ؛ رجل يدعو على والديه ، ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه ورجل يدعو على امرأته وجعل الله عزّ وجلّ تخلية سبيلها بيده ، ورجل يقعد في بيته ويقول : ربّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب الرزق فيقول الله عزّ وجلّ له : عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة فيكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتّباع أمري ولكيلا تكون كلّا على أهلك فإن شئت رزقتك وإن شئت قتّرت عليك وأنت غير معذور عندي ، ورجل رزقه الله عزّ وجلّ رزقا فأنفقه كلّه فيدعو فيقول الله سبحانه ألم أرزقك رزقا واسعا فهلّا اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف كما نهيتك عن الإسراف ، ورجل يدعو في قطيعة رحم ، ثمّ علم الله سبحانه نبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم كيف ينفق وذلك أنّه كانت عنده أوقية من الذهب فكره أن تبيت عنده فأصبح وليس عنده شيء وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رفيقا فأدّب الله نبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم بأمره فقال : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً « 1 » يقول : إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت عن المال ، فهذه أحاديث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم يصدّقها الكتاب والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنين . وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له : أوص . فقال : أوصي بالخمس والخمس كثير فإنّ الله قد رضي بالخمس وهو كثير فأوصى بالخمس وقد جعل الله عزّ وجلّ له الثلث عند موته ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذرّ رضي الله عنهما . فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له : يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا ؟
--> ( 1 ) سورة الإسراء : 29 .